منتدى اجتماعي .... عائلي ... يعمل على جمع عائلة أرناؤوط في جميع بلاد العالم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
آهلا وسهلا بجميع من انضم الينا،،،، منتديات آل أرناؤوط ترحب بالجميع أهلا بكم
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 75 بتاريخ السبت يوليو 05, 2014 1:31 pm
المواضيع الأخيرة
» انت..لست قلبى؟؟
الثلاثاء فبراير 23, 2016 6:15 am من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» استخراج تصريح الدفن وشهادة الوفاة للمتوفى
الثلاثاء فبراير 23, 2016 6:10 am من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» شجرة عائلة الارناؤوطى المصرية
السبت ديسمبر 19, 2015 8:01 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» المولد النبوى
السبت ديسمبر 19, 2015 7:57 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» الذكرى 42 لنصر اكتوبر
الإثنين نوفمبر 02, 2015 1:14 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» خداع العيون كلمات احمد رضا
الإثنين نوفمبر 02, 2015 1:11 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

»  ساعة توديع الاندال /كلمات احمد رضا
الأحد أكتوبر 04, 2015 1:18 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» الى الاندال فى جميع انحاء العالم /كلمات احمد رضا
الثلاثاء سبتمبر 08, 2015 2:06 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى

» رثاء للنخوة والشهامة المصرية
الثلاثاء أغسطس 18, 2015 1:57 pm من طرف احمد رضا الارناؤوطى


شاطر | 
 

 كوسوفا عبر التاريخ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن علي الارناؤطي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 15/09/2009

مُساهمةموضوع: كوسوفا عبر التاريخ   الجمعة سبتمبر 18, 2009 6:18 am

جهود متواصلة لطمس الهوية الإسلامية الألبانية تاريخيا وحتى اليوم

كوسوفا عبر التاريخ

نبيل شبيب




الألبان في الدولة الأمّ وأقليات في عدة دول
استقلال كوسوفا عام 2008 هو المحطة التي وصلت إليها آخر جولة من جولات عديدة سبقت لنضال أهلها من أجل الاستقلال، وقد اندلعت الشرارة الأولى لها بالحملة العسكرية الصربية في كوسوفا في عام 1409هـ و1989م، ولم يكن يوجد سبب مباشر من جانب أهل الإقليم المسلمين يصلح لأن يكون ذريعة لهذا الإجراء، بل كانت الحملة نتيجة قرار مبيّت، للقضاء على الهوية الإسلامية الألبانية في كوسوفا، وهذا من قبل تساقط الاتحاد اليوغوسلافي نفسه، بل يمكن القول إن هذه الحملة كانت أشبه بما يسمّى "رصاصة الرحمة" التي أوصلت إلى تفكيك يوغوسلافيا السابقة.
ولم يكن اختيار الموعد المذكور للحملة العسكرية اعتباطيا، فالهجوم الصربي عام 1409هـ و1989م مقصود في ذلك العام بالذات، وأتى بعد تعبئة نفوس الصرب بمختلف وسائل "الفكر والأدب والإعلام والمواقف السياسية والتاريخ المزيف" بروح الانتقام من المعركة التي وقعت على أرض كوسوفا قبل ستة قرون تماما، عام 1389م (791 هـ) وانتصر فيها الجيش العثماني آنذاك بقيادة مراد بيك.

اقرأ في هذا البحث:

1- تاريخ كوسوفا جزء من ألبانيا

2- تحت الاحتلال

3- هل تبدلت سياسة القوى الغربية؟

إذا أخذنا بتفسير المصادر الغربية، من علماء السياسة والقانون الدولي والتاريخ، ومن الساسة المسئولين، والذي يربط بين الاعتراف القانوني الدولي بشعب من الشعوب أو دولة من الدول، على أساس وجوده دون سواه في بقعة من الأرض، فلا خلاف بين المصادر التاريخية، على أنّ الشعب الألباني كان من أوائل شعوب المنطقة، التي استوطنت فيها نتيجة موجات الهجرة الأولى القادمة من أواسط آسيا، لا سيّما من منطقة حوض نهر الفولجا.

البلقان وصراع الكنائس

وقد نشأت في البلقان مملكة ألبانية من قبل أن يتعاقب الرومان والإغريق على احتلال المنطقة، التي عرفت ثوراتٍ متتالية عليهم لم تنقطع، بزعامات ألبانية كانت تعتصم في الجبال وتغير على المدن التي سيطرت دول الاحتلال عليها، بينما لم تعرف البلقان للصرب دولة مستقلّة بمعنى الكلمة إلاّ حديثا.

ثمّ عندما انقسمت الدولة الرومانية على نفسها، ونشأ الانفصال بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذوكسية، انقسمت شعوب البلقان ما بين الكنيستين، ممّا ضاعف التمييز فيما بعد بين الأعراق والطوائف، الصربية الأرثوذوكسية والكرواتية والسلوفينية الكاثوليكية، أمّا البوشناق (في البوسنة) والألبان، فكان الإسلام قد وصل إليهم وانتشر في صفوفهم، إذ رافقهم من أواسط آسيا مع الهجرات الأولى في القرن الرابع الهجري، وهذا بعض ما يتحدّث عنه ابن بطوطة فيما يرويه عن رحلاته، ويشير إلى المسلمين الذين اجتمع بهم من البوشناق، في قلب المنطقة المعروفة اليوم بصربيا، وهذا من قبل وصول العثمانيين إلى البلقان بمائتي سنة، وهو ما يشير إلى عدم صحّة ربط وصول الإسلام إلى البلقان بوصول "الجيوش العثمانية" إليها، وقد دان فريق من البوشناق والألبان والكومان (الغجر) بالنصرانية بعد أن أنشئوا لأنفسهم كنيسة "بوغوميل"، ويلاحظ هنا أنّ هذه الكنيسة رفضت تعاليم التثليث الكاثوليكية والأرثوذوكسية، وكانت أقرب إلى التوحيد، متأثّرة بالإسلام.

وعُرفت ألبانيا (بمجموعها) ومنذ أكثر من ثمانية قرون باعتبارها الأرض التي يقطنها الألبان، وقد شملت ألبانيا بحدودها الرسمية الراهنة، بالإضافة إلى كوسوفا وسنجق، وأجزاء من الأراضي الواقعة حاليا داخل الحدود الإيطالية واليونانية والمقدونية والبلغارية.

أمّا صربيا فلم تُعرف لها الحدود السياسية الحالية إلاّ بعد تأسيس الدولة الصربية عقب الحرب العالمية الأولى، أي لم يمض على نشأتها قرن واحد بعد.

الألبان والعثمانيون

وقد توقّف العثمانيون بعد مراد الأوّل عند حدود ألبانيا تلك فلم يفتحوها، ولكنّهم استجابوا لاحقا، في عهد محمد الفاتح، لمن استنجد بهم من شعوب البوشناق والألبان والكومان بسبب ما تعرّضوا له من اضطهاد من أمراء الصرب، لا سيما من كانوا يتبعون كنيسة بوغوميل آنذاك، فتحوّلت المناطق الصربية نفسها إلى ولاية عثمانية، وانتشر الإسلام فيها أيضا، فشمل فيمن شمل مئات الألوف من الصرب أنفسهم، حتى وصل عدد المساجد في بلجراد إلى 270 مسجدا، بينما كانت المساجد في البوسنة والهرسك تزيد عن 170 ألف مسجد، وتصل في كوسوفا إلى زهاء 700 مسجد، فضلا عن مئات المساجد الأخرى في المناطق الألبانية الأخرى خارج نطاق الحدود الحالية لألبانيا.

وشهدت فترة الحكم العثماني سلسلة من محاولات التمرّد، التي كانت تجد الدعم من المجر والنمسا فضلا عن كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية مع إيطاليا، والكنيسة الأرثوذوكسية مع روسيا، وأحيانا كانت تلك القوى الدولية هي المصدر المباشر لنشر محاولات التمرّد.

ويلاحظ هنا أيضا أنّه لم يظهر اسم الصرب كأصحاب دولة، أو كزعماء ثورة، أو قادة تمرّد، إلاّ عام 1293هـ و1876م، وكان ذلك بالتعاون مع أهل الجبل الأسود، في إطار حرب ضدّ الدولة العثمانية دخلت روسيا طرفا ثالثا فيها بعد عام واحد ثمّ خرجت بعد عام آخر، وكان ذلك في عام 1295هـ و1878م وذُكرت "ألبانيا" مجدّدا في دعوة رابطة البريسريين إلى قيامها كدولة شاملة لكافة الأراضي التي يقطنها الألبان، بما فيها كوسوفا وسنجق.

"سايكس بيكو" البلقانية

وكان أهل ألبانيا قد بدءوا قبل فترة بالتعاون مع القوى المعادية للدولة العثمانية، على أساس ما حصلوا عليه من وعود بدعم استقلالهم، وكانت وعودا كاذبة كتلك التي أعطتها الدول الاستعمارية للعرب في ثورتهم ضدّ الحكم العثماني، وغدرت بهم لاحقا، فعندما انعقد مؤتمر برلين عام 1295هـ و1878م كان هو البداية الأولى للمؤامرة التاريخية المستمرّة حتى العصر الحاضر لترسيخ تجزئة الشعب الألباني وأراضيه، وترسيخ سيطرة القوى الأخرى من غير المسلمين على أراضيهم، فتحت الضغوط قبلت الدولة العثمانية في المؤتمر بسيطرة الإمبراطورية النمساوية على البوسنة والهرسك، وهو ممّا أدّى لاحقا إلى اشتعال الحرب العالمية الأولى باغتيال الإمبراطور النمساوي في سراييفو.

ودعم مؤتمر برلين استقلالَ الجبل الأسود، وأهمل شأن ألبانيا، فبدأت ثورة الألبان على حلفاء الأمس، وهو ما أوصل إلى وحدة الأراضي الألبانية بالفعل في 1299هـ و1882م. ثمّ تجدّدت سيطرة العثمانيين على المنطقة في السـنوات التالية، إلى أن وقعت حرب البلقان الكبرى عامي 1330 و1331هـ/ 1912 و1913م، واندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى وانتهت بنهاية الدولة العثمانية نفسها.

في عام 1330هـ و1912م صدر بيان فلورا معلنا استقلال ألبانيا، وبدأ الصرب بالتحرّك ضد المناطق الألبانية على الفور، ثم غدرت القوى الدولية بالألبان مرّة أخرى في مؤتمر لندن عام 1331هـ و1913م فلم تعترف بألبانيا إلاّ في إطار حدود تضمّ نصف أراضيها، وفي العام التالي ثار الألبان مجدّدا، وفي هذه المرة بصفتهم "مسلمين" فوجدوا الردّ من جانب القوى الدولية المتصارعة فيما بينها، فاحتل الإيطاليون منطقتي سازان وفلورا، واعترفت معاهدة سرية في لندن عام 1333هـ و1915م لإيطاليا بالسيادة على أجزاء من ألبانيا، واحتل الصرب أجزاء من الأراضي الألبانية الواقعة حاليا ضمن الحدود الصربية والمقدونية، كما احتل أهل الجبل الأسود منطقة شكودرا، وفي عام 1334هـ و1916م احتلت القوات المجرية والنمساوية أجزاء من شمال ألبانيا بحدودها الراهنة، واحتلت القوات الفرنسية منطقة كورشا والقوات الإيطالية مناطق جيروكاسترا وياراندا وبيرميتي، حتى إذا أعلن استقلال ألبانيا "الصغرى" وضعت تحت وصاية إيطاليا عام 1335هـ و1917م، بينما استولت صربيا التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الأولى على منطقة كوسوفا في عام 1336هـ و1918م، وانعقد مؤتمر دولي آخر في سانت جيرمين فثبّت الحدود الصربيـة الجديدة على حساب ألبانيا، واستمرّت المؤامرة الدولية على الألبان فجرى تثبيت تقسيم ألبانيا مرة أخرى في مؤتمر باريس عام 1337هـ و1919م، وكانت موافقة ألبانيا "الصغرى" على ذلك، بعد أن أدّت الحرب العالمية الأولى إلى فرض "الوصاية الإيطالية" عليها، شرطا لقبولها دولة عضوا في رابطة الأمم عام 1338هـ و1920م.

2- تحت الاحتلال

عُرفت كوسوفا في كتب التاريخ العربية باسم "قوصوه" والعثمانية بلفظ كوسوفا، إذ يلفظ الأتراك الواو فاءً، وهي التسمية التي ينطقها أهل كوسوفا والألبان عموما، بينما يلفظ الصرب الاسم "كوسوفو" ويأخذ به الغربيون، ومن نقل عنهم إلى العربية.

إرهاب متوارث

ليست المطامع الصربية المعاصرة في كوسوفا إلاّ امتدادا للمطامع القديمة من قبل نشأة "صربيا" كدولة، وانتقاما من أهل المنطقة المسلمين الألبان، الذين يطلق الصرب عليهم اسم "أرناؤوط"، لأنّ أرضهم الألبانية منذ القدم كانت مسرحا للمعركة التي انتصر فيها العثمانيون قبل أكثر من 600 عام. وليست الأعمال الإرهابية الصربية في العقود الأخيرة إلاّ امتدادا لأعمالهم الإرهابية المتكرّرة ضدّ المسلمين في كلّ مكان استطاعوا فيه بسط سيطرتهم على شعب مسلم من شعوب البلقان، ولم ينقطع الاضطهاد الصربي للمسلمين إلاّ في فترتين، هما الفترة العثمانية التي استمرت أكثر من أربعة قرون، فكان الصرب شعبا من الشعوب الأوروبية العديدة التي خضعت للدولة العثمانية، ثمّ فترة سيطرة الإمبراطورية النمساوية والمجرية على المنطقة، فكانت هي التي تتولّى اضطهاد المسلمين، لا سيّما في البوسنة والهرسك في أعقاب مؤتمر برلين، ممّا شمل تقتيل عدد كبير وتهجير عشرات الألوف عن أرضهم.

ولا تقف المطامع الصربية عند حدود السيطرة على كوسوفا سياسيا وعسكريا، بل كان المطلوب من البداية ترحيل المسلمين من كلّ أرض يوجدون فيها وتوطين الصرب مكانهم، وتظهر للعيان الأساليب الهمجية المتبعة لهذا الغرض عند الإشارة مثلا إلى أنّه لم يكن قد مضى على ولادة مملكة الصرب بعد الحرب العالمية الأولى سوى عام أو عامين، عندما أقدمت على تهديم 268 من أصل 270 مسجدا في بلجراد، وحوّلت أحد المسجدين الباقيين، وهو مسجد بيتار إلى مبنى للمجلس النيابي الصربي، فلم يبق سوى مسجد بيرقلي القديم، وما صنعته بالمساجد صنعت مثله بالمدارس والمراكز الثقافية وكتاتيب تعليم القرآن الكريم ومختلف الآثار العمرانية الإسلامية القائمة منذ قرون عديدة.

وكان الكروات شركاء في الجرائم الصربية بعد الحرب العالمية الثانية في حملة همجية كبرى على المسلمين في مطلع الأربعينيات الميلادية، ممّا شمل قتل عشرات الألوف في البوسنة والهرسك وكوسوفا وسنجق ومقدونية وغيرها، فضلا عن أحكام الإعدام والأشغال الشاقة المؤبّدة بالجملة على العشرات من زعماء المسلمين في كوسوفا وفي سراييفو وسكوبيا وغيرها.

ولقد استمرّ الاضطهاد بأشكال مختلفة حتى عام 1354هـ و1974م عندما اعتُرف للمسلمين بأنّهم يمثلون "قومية" في إطار الاتحاد اليوغوسلافي، كما اعتُرف لكوسوفا بوضع إقليم بحكم ذاتي، ولكن لم يكن ذلك يعني نهاية الاضطهاد، قدر ما يعـني "فترة استراحة" فرضتها المظاهر الأولى لتفكّك الاتحاد اليوغوسلافي نفسه، في أواخر عهد المارشال تيتو وبعد رحيله.

الاضطهاد قرار وتخطيط وتنفيذ

لا ينبغي بحال من الأحوال الأخذ بالمزاعم القائلة إنّ الحملة الصربية الحديثة على كوسوفا جاءت ردّا على ثورة أو تمرّد أو أعمال عنف، فلقد كان من أبرز ما يميّز الأحداث الجارية قبل تحرّك صربيا عسكريا، أنّ سكان كوسوفا كانوا يعبّرون عن سخطهم على زعمائهم السياسيين، الذين يصرّون إصرارا مستمرّا على اتباع الأساليب السلمية في التعامل مع بلجراد، رغم وصول المعاناة اليومية إلى أقصى مداها. والواقع هو أنّ الاضطهاد الصربي مقرّر ومبيّت له سلفا، ويمثّل "الوسيلة" المقصود استخدامها لترحيل المسلمين الألبان عن أرضهم وتوطين الصرب مكانهم.

يشهد على ذلك مثال واحد من أمثلة عديدة، وثيقة تحمل تاريخ 7/3/1937م، ويضمّها "قلم محفوظات الجيش اليوغوسلافي السابق"، وتوصف بالسرية، وتحمل رقم (2/ مصنف 4/ صندوق 69) وهي من وضع صربي يدعى كوبريلوفيتش، لا يمكن اعتباره "متطرّفا" خارج نطاق السياسة الرسمية للدولة، بل على النقيض من ذلك، فقد كان الكاتب المولود عام 1897م (1296هـ) عضوا في الأكاديمية اليوغوسلافية، ومستشارا سياسيا في عهد الملكية بصربيا، ثم في عام 1914م (1332هـ) عضوا في منظمة "البوسنة الجديدة" الصربية القومية، وحصل على درجة الأستاذية وشغل مقعدا لتدريس الفلسفة في جامعة بلجراد ابتداء من عام 1930م (1349هـ)، وشغل عددا من المناصب الوزارية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح عضوا في الأكاديمية الصربية للعلوم والفنون، وعضوا لاتحاد الشيوعيين في يوغوسلافيا سابقا، ثم مديرا عاما لمعهد دراسات البلقان في بلجراد ابتداء من عام 1970م (1390هـ). وقد حملت الوثيقة التي وضعها عام 1937م (1356هـ) عنوان "ترحيل الأرناؤوط"، وهو كما سبقت الإشارة الاسم الذي يطلقه الصرب على الألبان.

والوثيقة مؤلّفة من مقدّمة وثمانية فصول، من بين عناوينها: "طرق الترحيل" و"تنظيم الترحيل" و"تقنية التوطين" و"التمويل اللازم"، ولا يمكن عرضها بكاملها، فتكفي نماذج معدودة من العبارات الواردة فيها، مثل: ((استطاعت صربيا التخلّص من أحد مواقع انتشار الألبان بطردهم من منطقة ياجودينا، بفضل الصيغة التي نفّذتها حكومة يوفان ريستيك آنذاك، عندما طهّرت المنطقة الواقعة بين ياستريباش وجنوب مورافا تطهيرا كاملا لا هوادة فيه، وإنّ تطهير البقية الباقية من المثلث الألباني هو المهمة الأولى التي تحملها حكومة دولتنا الصربية الحالية منذ عام 1918)).. ((كان السبب الرئيسي في عدم نجاحنا في توطين الصرب هو بقاء الأرض في يد الألبان، ويجب انتزاع الأرض منهم كسبيل وحيد لتوطين الصرب)).. ((إذا انطلقنا من حقيقة أنّ التوطين الجماعي يفقد مفعوله نتيجة التكاثر الطبيعي للألبان، فلا يبقى سوى سبيل واحد هو الطرد الجماعي، إلى تركيا وألبانيا)).. ((من المعروف أنّ جماهير المحمّديين يقعون بسرعة تحت تأثير الدين، وأنّهم متعصبون ويصدّقون الأساطير، ولهذا فمن الأهمية بمكان لتحقيق هدف طرد الألبان، أن نكسب إلى جانبنا بعض رجال الدين من بينهم، عن طريق التهديد أو الإغراء بالمال)).. ((الطريق الآخر الممكن هو الترحيل القسري عن طريق أجهزة الدولة، فيجب إصدار القوانين المتشدّدة، واستخدامها إلى أقصى الدرجات، بصورة تجعل الحياة جحيما على الألبان، وتجعل بقاءهم عندنا مستحيلا، يجب استخدام عقوبات الغرامات المالية، والسجن، وسائر الوسائل الممكنة من جانب أجهزة الأمن، دون مراعاة أي اعتبار، كالعقوبة بسـبب التهريب، أو قطع الأشجار، أو إصابة الحقول بأضرار، أو السماح للكلاب بالتحرّك دون مرافق، وأي وسيلة أخرى يبتكرها رجال الشرطة، كما يجب استخدام الوسائل الاقتصادية، مثل عدم الاعتراف بالسجلات العقارية القديمة، وفرض الضرائب المرتفعة، وملاحقة القروض بصورة مشدّدة، ومصادرة الأراضي، وحظر مهن معينة على الألبان، وطردهم من الوظائف التابعة للدولة، وغيرها من أماكن العمل الخاصة والبلديات التابعة للصرب، فمن شـأن ذلك التعجيل في عملية الترحيل، فضلا عن إجراءات أخرى، كفرض تطبيق التعليمات الصحية داخل الأسر، وتهديم الأسوار المحيطة بالبيوت، ومنع المساعدات اللازمة لرعي الماشية.. كذلك فمن المعروف مدى حساسية الألبان على الصعيد الديني، ونستطيع التحرّك هنا أيضا، مثل إساءة معاملة رجال الدين، وتخريب المقابر، ومنع تعدّد الزوجات، فضلا عن فرض تعليم البنات في كل مكان توجد فيه مدارس ابتدائية مختلطة)).

ويوجد المزيد من النصوص التي رأيناها موضع التطبيق الفعلي، في مختلف العهود الصربية، الشيوعية واللاحقة، الملكية والجمهورية، منذ قيام الدولة الصربية حتى اليوم، ممّا لا يبقي مجالا لتصديق المزاعم القائلة إنّ الحملة الإرهابية الإجرامية الراهنة لم تكن مبيّتة سلفا، أو تصديق إمكانية الوصول إلى هدف الحياة الكريمة للمسلمين الألبان في كوسوفا وسنجق وسواهما، ما بقي هدف الاستقلال المشروع محظورا عليهم، وبقيت أسلحة الصرب موجّهة إلى صدورهم ونحورهم، ليس في الغارات اليومية على القرى الآمنة فقط، بل في مختلف ميادين المعيشة اليومية.

التعامل الانتقائي مع التاريخ

كوسوفا أرض ألبانية الهوية، ألبانية النشأة والسكان والتاريخ، لا تختلف في شيء من ذلك عن أرض الدولة الألبانية، أو أرض سنجق الواقعة داخل الحدود الصربية الرسمية، أو أراض ألبانية أخرى ألحقت بإيطاليا واليونان ومقدونيا، أمّا القول بتبعيتها لصربيا، فيعود إلى أسلوب يمارسه أصحاب القرار الدولي في الوقت الحاضر، مباشرة وعن طريق مدارس الفكر الغربي ومعاهد البحوث الغربية، وكأنها هي وحدها المخوّلة بصناعة "القانون الدولي التطبيقي". والأسلوب المتّبع أسلوب انتقائي، يوقف عجلة التاريخ عند لحظة تاريخية معينة، فيهمل ما قبلها ولو امتدّ مئات السنين أو ألوف السنين، ثمّ يعتبرها هي المنطلق للتفسير التاريخي المطلوب، على نحو يزوّر وضعا جديدا وفق رغبة أصحاب القرار، وليس وفق ما يقوله السجلّ التاريخي المديد، ولا ما تقوله المبادئ القانونية الدولية والقيم الثابتة فيها، كما استقرّت في الضمير البشري وبعض نصوص المواثيق الدولية، كحصيلة للتجارب الإنسانية، فأصبحت هي - لا القرار السياسي المتقلّب للقوى الدولية المهينة - الوعاء الحقيقي للشرعية الدولية.

لا بدّ عند طرح قضية كوسوفا - وسواها من القضايا العربية والإسلامية - من الخروج على مختلف المستويات السياسية والفكرية والإعلامية، من ذلك القفص "الزمني" الانتقائي، لاختراع ذريعة بصبغة قانونية دولية مزيّفة، لِما يُصنع ويخالف المبادئ والقيم الإنسانية والقانونية.

نشهد في التعامل مع قضية كوسوفا اليوم، شبيه ما رصدناه ونرصده في التعامل مع قضايا أخرى، وهو ما يدور محوره حول التسليم بنوعية "القالب التاريخي والسياسي والقانوني" الذي يُفرض دوليا دون أن تكون له أرضية مقبولة، فتاريخ قضية فلسطين يبدأ وفق ذلك الأسلوب الانتقائي بنشأة الصهيونية في بازل، وسريان مفعول القانون الدولي عليها يبدأ يوم صدور "وعد بلفور" عام 1336هـ و1917م، أما قضية تيمور الشرقية كمثال آخر فيبدأ مَن أراد فصلها عن إندونيسيا، بلحظة توزيع الأرض الإندونيسية بين الدولتين الاستعماريتين، هولندا والبرتغال، لإسقاط تبعيتها لإندونيسيا، ولا أهمية لِما كان فيها قبل تلك اللحظة التاريخية، وهكذا دواليك مع معظم القضايا المعاصرة الأخرى.

هذا "بتر عشوائي" للتاريخ لا يوجد له مسوّغ قانوني دولي أو سياسي منطقي، إلاّ إذا اعتبرنا هدف حرمان شعب من الشعوب من حقوقه الأصيلة مسوّغا، وبالنسبة إلى كوسوفا، يتجلّى الأسلوب الانتقائي الغربي المشار إليه بوقف عجلة التاريخ عند عام 1295هـ و1878م، وكأنّه هو البداية ولا بداية قبله، والمقصود هو انعقاد مؤتمر برلين قبل 130 عاما، والصرب يحدّدون "بداية" التاريخ لكوسوفا بمعركة 791هـ و1389م، لزعم أنّ العثمانيين هم الذين أوجدوا الألبان في كوسوفا، والواقع أن تاريخ الصرب في البلقان بدأ آنذاك بعد أن سبقهم الألبان والبوشناق والكومان (الغجر) وغيرهم، ولم يغادر أراضي البلقان أهلُها الأصليون هؤلاء، وهم الذين استنجدوا بالعثمانيين ضد ظلم الأمراء - وبعضهم صربيون - الذين ارتبطوا بالقوى الدولية آنذاك، كروسيا والنمسا وإيطاليا.

وفي ادّعاء الالتزام بشرعية دولية، وعدم انتهاك سيادة دولة قائمة، لغط مماثل، فقد تجاهلت المواقف الدولية الرسمية طويلا عنصر التاريخ عندما كانت تكرّر تأكيد رفض استقلال كوسوفا، وتستمسك بتأييد الحكم الذاتي فيها كما كان قبل عام 1409هـ و1989م، وهي لا تتجاهل بذلك أنّ الحكم الذاتي الذي بدأ عام 1394هـ و1974م فحسب، بل تتجاهل أيضا أنّ "الحكم الذاتي" كان إجراء من إجراءات عديدة اتخذها الاحتلال الصربي (والكرواتي اليوغوسلافي) لكوسوفا منذ الحرب العالمية الأولى، والمفروض بمنظور القانون الدولي إذن تقويم شرعية الأوضاع الراهنة على أساس عدم مشروعية الاحتلال، وبالتالي عدم الاعتراف بمشروعية ما اتخذ من إجراءات، ولا ما أحدث من تغييرات في البنية البشرية، ولا ما اصطنع من هياكل سياسية لتثبيت سيطرته.

وإذا كان القانون الدولي لا يعترف إلاّ بإرادة الشعب صاحب الأرض والتعبير عنها تعبيرا حرا دون ضغوط ولا تزييف، كوسيلة مشروعة لنقل "السيادة" إلى شعب آخر، فإنّ الألبان لم يستكينوا للاحتلال قطّ أو يعترفوا به، بل بدأت المقاومة الأولى لقرار تقسيم البلقان على حسابهم في مؤتمر برلين، في العام نفسه بتأسيسهم "رابطة الأمراء" وإعلان تمسّكهم بهدف "وحدة جميع الأراضي الألبانية"، ثمّ إعلانهم الدولة وتشكيل حكومة مؤقتة لها عام 1880م، ثمّ مقاومتهم المسلّحة ووصولهم بالفعل إلى دولة شاملة لأراضيهم قبل نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

ولم تنقطع المقاومة فيما بعد، عندما قام الحكم الشيوعي في الاتحاد اليوغوسلافي والحكم الشيوعي في ألبانيا "الصغرى" في نهاية الحرب العالمية الثانية، ثمّ عندما استُخدمت أساليب القمع الوحشية لتثبيت الوضع الجديد، تجدّدت ثورة الألبان عام 1388هـ و1968م، وأُخمدت بصورة دموية أيضا، ولكن أوصلت على الأقلّ إلى اضطرار بلجراد في دستور عام 1394هـ و1974م إلى الاعتراف لأهل كوسوفا بالحكم الذاتي.

لم يكن "وضع الحكم الذاتي" الذي تمسّكت به المواقف الدولية طويلا إذن أساسا منطقيا لوضع قانوني دولي، ولا كان هو "بداية" التأريخ لكوسوفا وقضيّتها.

الاضطهاد سياسة راسخة وليس وقتية طارئة

سبقت إلغاءَ الحكم الذاتي من جانب صربيا مع إشعال حريق البلقان الأخير محاولة أولى لترسيخ أقدام الاحتلال "المطلق" مجدّدا في الإقليم الذي حافظ على هويته الألبانية الإسلامية، ففي 22/5/1401هـ و28/3/1981م أرسلت بلجراد بعد وفاة تيتو بعام واحد، أكثر من أربعين ألف جندي، مجهّزين بالدبابات والمصفّحات وغيرها من وسائل البطش إلى كوسوفا، وكانت الحصيلة اعتقال 28 ألفا، علاوة على القتلى والجرحى بأعداد كبيرة، وزعمت السلطات آنذاك أنّ الهدف هو القضاء على "المشاغبين"، ولئن صحّ ذلك – بمعنى وجود مقاومة للاحتلال - فلم يكن يوجد أيّ سبب مباشر ظاهر للعيان، يمكن اتخاذه ذريعة مشابهة، عندما أرسلت بلجراد في 20/7/1409هـ و26/2/1989م عشرات الألوف من الوحدات الخاصة، وأعلنت بعد يومين حالة الطوارئ في كوسوفا، ثمّ ألغت الدستور المحلي للإقليم بعد ثلاثة أسابيع، ثمّ بدّلت نظام التدريس لمحاربة الألبانية في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، وأرسلت في مطلع العام التالي وحدات عسكرية نظامية.

وتواصلت إجراءات الاحتلال الصربي القمعية الهمجية في كوسوفا، على مختلف المستويات السياسية والتعليمية والأمنية وغيرها، أكثر من 15 شهرا، دون أن يعلن زعماء كوسوفا السياسيون أكثر من المطالبة بوقف تلك الإجراءات والعودة إلى الحكم الذاتي، وكانت خطوتهم "السياسية" المضادّة الأولى في 9/12/1410هـ و2/7/1990م، بإعلان المجلس النيابي المحلي في كوسوفا اعتبارها "جمهورية" داخل نطاق الاتحاد اليوغوسلافي، وردّت صربيا بحلّ المجلس والحكومة، وربط كوسوفا بالأوامر الصادرة من بلجراد مركزيا، كما احتلّت القوات العسكرية مباني الإذاعة والتلفاز في بريشتينا، وأغلقت وزارة التعليم والمعاهد التربوية وصحيفة ريلينديا الناطقة بالألبانية.

ولا يفسح المجال للتفصيل أو ذكر ما يتوفّر من شهادات، فتكفي بعض الأمثلة من المصادر الغربية نفسها، إذ تقول منظمة "الشعوب المضطهدة" (وهي منظمة غربية مستقلة): إنّ السلطات الصربية وبموجب قانون صدر في بلجراد عام 1410هـ و1990م تحت عنوان "ظروف العمل في الحالات الاستثنائية" طردت أكثر من 26 ألف موظف ومدرّس، أي 80 في المائة من العاملين في هذين المجالين في كوسوفا، وتتحدّث المنظمة أيضا عن وجود أكثر من 60 ألف أسـرة ألبانية أي 20 في المائة من السكان، لا يملكون مصدرا لحياتهم المعيشية، سوى ما يرسله ذووهم "المشرّدون" في دول أوروبية أخرى، كما تتوافر عن عام 1414هـ و1994م أرقام تقول إن السلطات الصربية طردت 600 عائلة من مساكنهم وأعطتها المستوطنين الصرب.

وتعدّد المنظمة القوانين الصربية الجديدة التي تمنح قروضا مالية طويلة الأمد، ومكان عمل مضمون، لكلّ صربي يستوطن في كوسوفا، كما تعدّد "منظمة العفو الدولية" سلسلة من القوانين الصربية الخاصة بكوسوفا، وتقول إنها لا تترك مجالا من مجالات الحريات الإنسانية إلاّ وتقيّده أو تصادره، حتّى وصل ذلك إلى مستوى تخفيض عدد العاملين في المستشفيات والمرافق الصحية كيلا يجد الألبان المسلمون في كوسوفا ما يكفي من الرعاية، ويقول قرار صادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف يوم 2/9/1413هـ و23/2/1993م، إنّ "جميع" الألبان المولودين في كوسوفا يتعرّضون حاليا لعنف الشرطة الصربية.

إنّ ما جرى ويجري في كوسوفا منذ ذلك الحين لا يخالف "حقوق الإنسان والأقليات" كما هي واردة مثلا في وثيقة هيليسنكي الملزمة ليوغوسلافيا أوروبيا أو مواثيق حقوق الإنسان العالمية فحسب، بل تخالف أيضا ما تقرّره المواثيق الدولية لتعامل أي دولة احتلال مع أرض أجنبية، ولا نكاد نرى شبيها له إلاّ فيما صنع ويصنع بفلسطين.

وكان ما صنعه الصرب في كوسوفا في مقدّمة أسباب انهيار ثقة الشعوب الأخرى في جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي، بل من داخل كوسوفا، في ساحة القتال، وأمام الجنود الصرب قرب بريشتينا، جاء إعلان سلوبودان ميلوسوفيتش عن إقامة ((صربيا الكبرى.. فصربيا ستكون كبرى وموحّدة، وإلا فلن يكون لها وجود)) فرسّخ بذلك "المنهج" الذي أراد سلوكه في حرب البلقان، وهو ما عجّل في تفكّك الاتحاد اليوغوسلافي، إذ رفض الصرب في اجتماعات الرئاسة اليوغوسلافي واجتماعات الحزب الشيوعي، تلبية مطالب ممثلي الكروات والسلوفينيين بضمانات لاستقلالهم داخل نطاق "الاتحاد الفيدرالي"، فكان إعلان الاستقلال الذي واجهه الصرب بالقتال، وواجهه الغرب بالاحتضان فتحقّق، ولا حاجة إلى ذكر ما كان بالمقابل مع البوسنة والهرسك، وهو ما يسري على كوسوفا وسنجق وأخواتهما في البلقان أيضا.

3- هل تبدّلت سياسة القوى الغربية؟

إنّ الاحتلال والاضطهاد من جانب الصرب، والتواطؤ الغربي الطويل مع بلجراد، هو الذي جعل سكان كوسوفا يفقدون يوما بعد يوم الثقة بإمكانية تخفيف معاناتهم اليومية، عن طريق المواقف السياسية السلمية لزعمائهم، مثل رئيسهم الراحل روجوفا، وكان قد انتُخب رئيسا عام 1412هـ و1992م، وارتبط تأييد غالبية الألبان المسلمين له باعتباره سيلتزم بنتائج الاستفتاء الذي أجراه الألبان في كوسوفا رغم الاحتلال الصربي، وأسفر في 21/3/1412هـ و30/9/1991م عن مطالبة الغالبية الكبرى بإقامة "جمهورية كوسوفا" المستقلّة، ولم يكن انتخاب روجوفا على أساس أن تكون استعادة الحكم الذاتي هي الهدف، كما أصبح يدعو لاحقا.

"الأسرة الدولية" وجيش تحرير كوسوفا

الموقف الغربي إلى وقت قريب كان موقف الاكتفاء بالحكم الذاتي وليس القبول باستقلال كوسوفا، والواقع أنّه لم يكن يكفي كوسوفا وقضيتها في الماضي ولا يكفي في الوقت الحاضر مجرّد "الحكم الذاتي" تحت سيادة صربية، فحق تقرير المصير لا يُقيَّد بشرطٍ يلغي مغزاه، مثل شرط "الحكم الذاتي" مع إجراءات تحظر تجاوزه إلى الاستقلال الناجز.

هذا علاوة على أنّ "السيادة الصربية" أثبتت عمليا تصميمها على إلغاء الحكم الذاتي كلّما سنحت لها الفرصة، واستخدامها قوّة السلاح. وأصبح تأييد الحكم الذاتي غربيا - وهو التعبير الدبلوماسي عن رفض هدف الاستقلال - متركّزا على جعله عنوانا للمساعي الحثيثة المبذولة لتجريد كوسوفا من جيش التحرير، بحجّة سلوكه طريق العنف، كما لو كان المطلوب من أهل كوسوفا التسليم لكلّ ما سبق من عنف صربي، بل مع تجاهل تسلسل الوقائع التاريخية بما يثبت أنّ العنف الصربي بالذات هو ما جعل خطوة تشكيل جيش التحرير من صنع الصرب أنفسهم، فما ارتكبوه ويرتكبونه من قمع واضطهاد، كان لا بدّ أن يوجد بالمقابل "المقاومة المسلّحة" دفاعا عن النفس، بل عن أصل الوجود البشري المحض للسكان.

الجدير بالتنويه أيضا أنّ ازدياد اهتمام القوى الدولية أو ما يوصف بالأسرة الدولية، بأحداث كوسوفا كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بتحريك الأحداث من جانب أصحاب القضية أنفسهم، وكذلك بحجم ما يقدّمونه من تضحيات.

ولكن حتى عندما يبلغ الأمر درجة لا يسهل تمريرها إنسانيا على الرأي العام، لا نفتقد في ذلك الاهتمام الدولي استمرار السعي لطرح الأحداث في نطاق ما يحقق مصلحة محددة أو هدفا مسبقا، وهذا ما ساد طوال فترة وصول حجم الضربات العسكرية الصربية داخل كوسوفا أقصى مداها، مقابل الانتظار الغربي طويلا (سنوات عديدة وليس شهورا معدودة فقط) قبل الإعلان عن الحرب الأطلسية ضدّ صربيا.

في تلك الفترة وعلى مدى الشهور الأخيرة منها حرصت المساعي السياسية الغربية لحصر الأزمة في نطاق أحداث شهور معدودة فقط، قُتل فيها مئات الألوف وشرّد عشرات الألوف (منظمة الشعوب المهدّدة كانت تقول بمقتل 350 ألفا و"اختفاء" 400 ألف وتشريد 160 ألفا داخل كوسوفا وخارجها). والواقع أنّه مقابل الأرقام المذكورة عن المشرّدين في بضعة شهور مثلا، يمكن أن نذكر أنّ السنوات الماضية شهدت تشريد زهاء مليون ألباني من كوسوفا، منهم 400 ألف في ألمانيا و300 ألف في الولايات المتحدة الأمريكية، كما شهدت توطين مئات الألوف من الصرب في مساكنهم، ببرامج دعم كبير، شاركت المفوضية العامة لشئون اللاجئين في تمويل بعضها.

وحتى بعد التحرّك العسكري، قبل أن يتحوّل مجرى الأحداث إلى حرب شاملة، وعلى الرغم من عدم تكافؤ القوى العسكرية، تكرّرت المواقف الغربية التي تحمل جيش التحرير في كوسوفا المسئولية عن تصعيد حدّة الأحداث، مع أن جيش التحرير لم يتأسّس إلا عام 1412هـ و1992م، أي عندما وصل الاضطهاد الصربي بعد إلغاء الحكم الذاتي عام 1409هـ و1989م إلى درجة لا تُحتمل، كما أنّ جيش التحرير الذي يضم -حسب تعدّد المصادر - ما بين 15 و30 ألف مقاتل، لم يتحرّك لسنوات عديدة بعد تشكيله، على الرغم من استمرار أشدّ ألوان الاضطهاد.

وعندما انتخب إبراهيم روجوفا "المعتدل" وفق المقاييس الغربية، رئيسا لكوسوفا كان انتخابه على أساس إعلانه هدف "الاستقلال" محورا لسياسته، ولكنّه لم يقترب بالوسائل السلمية من تحقيق هذا الالتزام، ولم يقترب حتى من تحقيق هدف "الحكم الذاتي" الذي أصبح يطالب به تحت تأثير الضغوط الأمريكية في الدرجة الأولى، وبعد هذا فقط.. أي بعد مرور سنوات عديدة على "الاضطهاد المتواصل دون دفاع عن النفس"، جاء ردّ جيش التحرير برفض زعامة روجوفا.

وكانت النقطة الحاسمة لتحوّل الخلاف إلى خلاف علني، هي تراجع "لجنة الاتصال الدولية" عن مطالبة بلجراد بسحب قوّاتها النظامية والأمنية من أرض كوسوفا، وكان هذا هو الموقف الوحيد الذي استطاع روجوفا الحصول عليه من قبل، واعتُبر شرطا للمفاوضات، وعند التراجع عنه أعلن جيش التحرير على لسان المتحدث للشئون السياسية الخارجية محمود بردلي: "لن نتبع خطى البوسنيين فنفاوض هنا في جنيف بينما يُذبح أهلنا في كوسوفا، يجب سحب الشرطة والقوات العسكرية الصربية من كوسوفا قبل أي مفاوضات".

وقال آنذاك أيضا: "نأمل ألاّ تتمسك الدول الغربية بالحدود الراهنة بأي ثمن، فالحدود اليوغوسلافية العتيقة ليست مقدسة، وسبق في حالة كرواتيا مثلا أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ضدّ تغيير الحدود، ولكن اعترفت ألمانيا بكرواتيا، وإذا بها تصبح خلال فترة وجيزة دولة مستقلة بالفعل".

الدور الأمريكي قبل تأييد الاستقلال

ويبدو للوهلة الأولى أنّ الموقف الأمريكي بالذات تميّز دوليا، وأنّه لولا الروس والأوروبيون لسارع الأمريكيون في وقت مبكر إلى نجدة أهل كوسوفا بالقوّة.

ومن العسير تفسير الدور الأمريكي على هذا النحو، بل إنّ أوّل ما يلفت النظر في رصد مجرى السياسة الدولية تجاه كوسوفا، أنّ الأمريكيين كانوا قبل سواهم وراء إسقاط بند "قضية كوسوفا" من جدول أعمال المفاوضات الدولية على خريطة البلقان الجديدة، لا سيّما تلك التي أوصلت عبر الجهود الأمريكية إلى اتفاقية دايتون بشأن البوسنة والهرسك، فخلت الاتفاقية، كما خلت المواقف الرسمية قبلها وبعدها من ذكر كوسوفا، على الرغم من أنّ "تأمين وضعها" كان بندا ثابتا في مختلف المفاوضات السابقة، في إطار مؤتمر لاهاي، ثمّ مؤتمر لندن، حول أحداث البلقان في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي العشرين.

ثمّ يلفت النظر انعدام إطلاق أيّ مبادرة أمريكية تجاه كوسوفا في السنوات التالية، فلم تتحرّك واشنطن إلاّ في النصف الأول من عام 1419هـ و1998م، أي بعد بدء الحملة الصربية العسكرية الجديدة، والأشدّ من ذلك مدعاة للتأمّل هو الأسلوب الذي تحرّك به المبعوث الأمريكي ريتشارد هولبروك، وهو الذي أوجد الانشـقاق بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية لألبان كوسوفا، ثمّ وضع القضية واقعيا في يد موسكو، لتعلن العواصم الغربية من بعد، أنّ عدم التدخل العسكري يعود إلى المعارضة الروسية المنتظرة في مجلس الأمن الدولي. وقد كانت الوساطة الأولى من جانب هولبروك تلك التي استخدم فيها حنكته الدبلوماسية في دفع إبراهيم روجوفا إلى خطوتين حاسمتين، أولاهما التأكيد علنا على هدف الحكم الذاتي بدلا من الاستقلال، والثانية الاستعداد لحوار مع ميلوسوفيتش دون تحديد هدف أو جدول أعمال أو مخطط زمني أو ضمان سياسي دولي لمحتوى ذلك الحوار ونتائجه.

كان أقصى ما حصل عليه روجوفا بالمقابل هو اللقاء مع الساسة الغربيين في أوروبا وفي واشنطن، ولعلّه توهّم أن يكون ذلك بداية للاعتراف به وبحكومته التي تشكلت بعد الانتخابات في كوسوفا، ولم تجد اعترافا رسميا إلاّ من جانب ألبانيا، ولكنّه فوجئ أثناء وجوده في واشنطن بخطوة أمريكية أخرى، عبر إعلان كلينتون اعتبار القضية "قضية صربية داخلية ولا حلّ لها بغير الحوار المباشر". أمّا الثمن الذي دفعه روجوفا فكان الوقيعة بينه وبين جيش التحرير، ممّا عبر عنه الناطق باسمه محمود بردلي في جنيف بقوله: "إنّ غالبية سكان كوسوفا يدعمون في هذه الأثناء جيش التحرير، وليس لروجوفا سـيطرة عليه، ولا يمكن له التفاوض باسم جيش التحرير، ولا باسم شعب كوسوفا، ونحن نرفض سياسته".. وكرّر الموقف نفسه متحدّث آخر باسم جيش التحرير، يعقوب كراسنيكي، في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية فقال: "إنّ جيش التحرير ليس مستعدا لوضع نفسه تحت إمرة روجوفا، فقد بقيت سياسته القائمة على عدم استخدام العنف دون أيّ نتيجة".

ثم كان اللقاء "الاستعراضي" من جانب هولبروك مع بعض أفراد جيش التحرير، ليعلن من بعد كما أعلن سواه من الساسة الأمريكيين مرارا، أنّ جيش التحرير عقبة رئيسية في وجه "الحوار". وهذا ما وصل إلى مداه في تصريح المبعوث الأمريكي جيلبارد يوم 13/3/1419هـ و7/7/1998م في موستار: "إنّ حلف شمال الأطلسي على استعداد، ويملك القدرة، لضرب سائر خطوط إمدادات جيش التحرير إن لم يظهر استعداده للتعاون". والاستعداد للتعاون هنا يعني التخلّي عن هدف الاستقلال، وإلقاء السلاح، والدخول بزعامة روجوفا في حوار مباشر مع الزعامة الصربية، باعتبار القضية "داخلية"، وهذا ما ينسجم مع النظرة الأمريكية إلى جيش التحرير من قبل، والتي سبق أن عبّر عنها جيلبارد أيضا، وهو يصفه بالعصابات الإرهابية.

وليس جيلبارد "شاذّا" عن الساسة الأمريكيين الآخرين، ومثال ذلك ما قاله وزير الدفاع الأمريكي ويليام كوهين آنذاك، على هامش لقائه يوم 14/3/1419هـ و8/7/1998م مع نظيره اليوناني تسوهاتسوبولوس: "إنّ الولايات المتحدة تعارض في حال تدخل الأطلسي، أن ينتج عن ذلك أي دعم عسكري مباشر أو دعم معنوي غير مباشر لجيش التحرير". ثم انتقد "المبالغة" الصربية في استخدام العنف.

إنّ السياسة الأمريكية بشأن تأييد استقلال كوسوفا في نهاية المطاف، لا يمكن تقويمها دون النظر في عوامل عديدة، منها ما كانت عليه حتى المرحلة الأخيرة، ومنها العلاقة بينها وبين التطوّرات الجارية على صعيد أوسع نطاقا، مثل العلاقات الأوروبية الأمريكية، والعلاقات مع روسيا، وهذا ما لا يدخل في نطاق هذه النظرة التاريخية الموجزة إلى كوسوفا منذ النشأة الأولى إلى مرحلة الاستقلال، إنّما ينبغي التنويه إليه في متابعة حدث الاستقلال المحتم نفسه وما يليه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كوسوفا عبر التاريخ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات آل أرناؤوط :: ساحة التاريخ و الحضارة :: عائلة أرناؤوط-
انتقل الى: